لنكن صادقين إلى حدّ القسوة ، ما يحدث اليوم في ملف اللحوم الحمراء والبيضاء ليس أزمة ظرفية، ولا نتيجة مؤامرة، ولا بسبب الجفاف وحده، إنه فشل جماعي، تشارك فيه الفلاحة بعقليتها التقليدية، و الدولة بتسييرها العشوائي، ويدفع ثمنه المواطن.
نحن كفلاحين … أين وضعنا مما يحدث في العالم؟
قبل أن نلعن السياسات ونشتم القرارات، علينا أن نعترف
بأن جزءًا كبيرًا من الفلاحين والمربين بقوا خارج مجال الزمن و التطور ، فحين نجد العالم
يتحدث عن التربية الدقيقة ، التسمين المحسوب ، السلالات المنتقاة ، المكننة و الرقمنة و تقليص التكاليف بالعلم لا بالحظ .
لكننا في الجزائرنجد أنفسنا نربي بلا سجلات ، نشتغل
بالخبرة الشفوية ، نرفض التكوين ، نخاف من
التغيير
ونخلط بين “التجربة” و ”الجمود” ، نشتكي من الخسارة، لكننا لا
نحسب التكلف، نصرخ بسبب الأمراض، لكننا نستهين بالوقاية، نطالب بالدعم، لكننا لا
نغيّر طرق العمل.
وهنا يجب قول الحقيقة كاملة و هي أن بعضنا خان المهنة
قبل أن تخونه الدولة.
الجشع… حين يقتل القطاع من الداخل
من جهة أخرى لا يمكن الحديث عن الفشل دون تسمية أحد أخطر
أسبابه و هو الجشع ، فذبح الإناث بلا رحمة ، المضاربة في أوقات الندرة ، التخزين و
البيع عند الذروة و السعي للربح السريع بدل الاستقرار، فبعض مربي الأغنام والأبقار
وعجول التسمين سامحهم الله لم يعودوا يرون في الفلاحة مهنة، بل فرصة موسمية للنهب،
وهذا السلوك دمّر القطيع، ونسف الثقة، وفتح الباب لتدخل
الدولة بأسوأ الطرق.
الدولة… من التسيير إلى الارتجال
لكن، رغم كل ما سبق، تبقى المسؤولية الأكبر على عاتق الدولة،
فملف استراتيجي بحجم الأمن الغذائي يُدار بلا رؤية ، يُعالج بردود فعل ، وتُتخذ
قراراته تحت الضغط لا بالتخطيط بل بالتخبط
، فكلما فشلنا نتجه إما الى المنع ، الفتح ، الاستراد أو الغلق ، ثم نبحث عن متهم.
كل هذه الحلول الارتجالية لم تعد تٌجدي أو تنفع بل زادت
الوضعية تعقيدا
، و الاتجاه الى الاستيراد الذي أصبح إدمانًا سياسيًا أصبحت أضراره أكثر
من منافعه المؤقتة، فالاتجاه الى الحل الأسهل والأسرع نتيجته ستكون تدمّير الإنتاج
المحلي و إفلاس و معاقبة الفلاح.
شيطنة الفلاح… حين يصبح المنتج مجرمًا
و يبقى الأخطر من الفشل هو طريقة التعامل معه ، فبدل
إصلاح المنظومة يٌتهم الفلاح بالمضاربة و التشهير به للمجتمع كعدو للوطن و المواطن
و الزج ببعض الصناعيين التحويليين والفلاحين في السجون بتهم جاهزة اسمها “المضاربة.
و النتيجة كانت كارثية ، خوف ، انسحاب ، هروب من
الاستثمار ، وتفريغ القطاع من الجادّين ، لأن الرسالة كانت واضحة:
“اشتغل…
لكن إن أختلت السوق فأنت المتهم.”
لا ثقة… لا شراكة… لا مستقبل
الثقة هي أساس كل عمل و شراكة ، لا يمكن لقطاع الفلاحة
أن ينجح والدولة تتوجس في الفلاح و لا تثق به و الفلاح أيضا يتوجس من الدولة و لا
يثق فيها .
لا تعاونيات حقيقية، لا تنظيم للسوق، لا حماية للمنتج،ولا
عدالة للمستهلك.
هناك فقط سماسرة يربحون ، قرارات مرتجلة و فلاح مٌتهم
الخلاصة: الفشل ليس قدَرًا محتوما...
فشلنا ، لأن بعض الفلاحين رفضوا التطور ، لأن بعض
المربين اختاروا الجشع ، لأن الدولة أدارت القطاع بعشوائية ، و لأن الحلول السهلة
كانت دائمًا أقرب من الحلول الصحيحة
لكن النجاح ممكن، و هذا فقط إذا أعترف الفلاح أن الزمن
تغيّر ، و إذا اعترفت الدولة أن القمع لا يبني منظومات
و أن الشراكة الحقيقية لا تقوم على الشك ، و أن الأمن
الغذائي لا يُستورد، ولا يُدار بالخوف، و لا يُبنى بالشعارات.
و الحل هو إما إصلاح جذري…أو تكرار نفس الفشل كل سنة ، مع نفس الخطابات، ونفس
المتهم الجاهز.
ـــــــــــــــــــــــ رمضان _ ج / مستثمر فلاحي سطيف

